
نظّمت الرابطة الإنسانية للحقوق والشبكة اليمنية لروابط الضحايا، مساء الخميس الموافق ١٣ مارس ٢٠٢٥، ندوة حقوقية تحت عنوان “الألغام جريمة قتل لا تتوقف”، وذلك بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في القانون الدولي وحقوق الإنسان، إضافة إلى قادة فرق نزع الألغام.
جاءت الندوة في ظل استمرار معاناة المدنيين اليمنيين جراء الألغام التي تزرعها مليشيات الحوثي في مختلف المناطق، متسببة في وقوع آلاف الضحايا، بين قتلى ومصابين بإعاقات دائمة، فضلًا عن العواقب الاقتصادية والاجتماعية الكارثية التي تخلفها.
محاور الندوة والمتحدثون
افتتحت الإعلامية سمية القواس الندوة بكلمة ترحيبية، حيث شكرت المشاركين والمتحدثين، وأكدت على أهمية تسليط الضوء على قضية الألغام في اليمن لما تسببه من معاناة إنسانية مستمرة.
توزعت الندوة على أربعة محاور رئيسية، حيث تناول المحور الأول “الآثار الكارثية لجريمة زراعة الألغام على كافة الأصعدة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية“، وقدمه الدكتور علي أحمد التام، رئيس منظمة حماية ومدير حملات التوعية بمخاطر الألغام. وأشار التام إلى أن الألغام الحوثية تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه اليمنيين، موضحًا أن الألغام لا تؤدي فقط إلى إزهاق الأرواح، بل تزرع الخوف والرعب، وتعطل التنمية وتدمر سبل العيش.
أما المحور الثاني، الذي حمل عنوان “ألغام الحوثي تحصد أرواح اليمنيين – تقارير وإحصائيات“، فقدمه الأستاذ فارس الحميري، المدير التنفيذي للمرصد اليمني للألغام. واستعرض الحميري أحدث الإحصائيات التي توثق عدد الضحايا المدنيين، مشيرًا إلى أن الأطفال والنساء يمثلون نسبة كبيرة من المصابين جراء هذه الألغام، كما أوضح أن استمرار زراعة الألغام بشكل عشوائي يفاقم من خطورة الوضع.
وفي المحور الثالث، ناقش العقيد علي صالح البركاني، قائد فريق نزع الألغام والمشرف العام على عمليات إزالتها في أبين، موضوع “المسؤولية الجنائية في القانون الدولي وضمانات العدالة للضحايا“. وشدد البركاني على ضرورة محاسبة الأطراف المتورطة في زراعة الألغام، مؤكدًا أن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب وفقًا للقوانين الدولية. كما أشار إلى الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدتها فرق نزع الألغام أثناء محاولتها تأمين المناطق المدنية.
المحور الرابع: نزع الألغام – النتائج والعوائق، مسام نموذجًا
قدم الأستاذ عبد الناصر القداري، المحامي والخبير في قضايا حقوق الإنسان ورئيس المركز الهولندي اليمني للدفاع عن الحقوق والحريات، المحور الرابع في الندوة تحت عنوان “نزع الألغام – النتائج والعوائق، مسام نموذجًا”، حيث استعرض الجهود المبذولة لنزع الألغام في اليمن، مشيرًا إلى أن مشروع “مسام”، الذي أطلقه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية عام 2018، يُعد نموذجًا رائدًا في هذا المجال. وأوضح أن المشروع نجح حتى فبراير 2025 في نزع أكثر من 450,000 لغم وعبوة ناسفة، مما أسهم في إعادة الأمان لمناطق واسعة في اليمن، وسمح بعودة النازحين واستئناف الأنشطة الزراعية والحياتية.
وأشار القداري إلى التأثيرات الإيجابية لهذا المشروع على المجتمع اليمني، حيث ساهم بشكل مباشر في تقليل عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن انفجار الألغام، وأعاد الأمل في حياة آمنة لكثير من الأسر التي كانت تعاني من خطر هذه القنابل المميتة.
من أبرز العوائق التي ذكرها القداري هي استمرار المليشيات الحوثية في زراعة الألغام بطرق أكثر تعقيدًا، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على الخرائط الخاصة بمواقعها، مما يجعل من عملية الإزالة أمرًا محفوفًا بالمخاطر. كما تحدث عن التحديات اللوجستية والمالية التي تواجه المشروع، مشددًا على ضرورة دعم الجهود الإنسانية في هذا المجال لضمان استمرار عمليات نزع الألغام بشكل أكثر فاعلية.
أبرز التحديات التي تواجه عمليات نزع الألغام
خلال الندوة، أشار المتحدثون إلى مجموعة من التحديات التي تواجه عمليات نزع الألغام في اليمن، ومن أبرزها:
التوسع العشوائي في زراعة الألغام: حيث تلجأ مليشيات الحوثي إلى استخدام أساليب مبتكرة في إخفاء الألغام، مثل تمويهها على شكل أحجار أو ألعاب أطفال، مما يزيد من خطورة اكتشافها وإزالتها.
عدم توفر خرائط لمواقع الألغام: وهو ما يجعل عمليات المسح وإزالة الألغام أكثر تعقيدًا ويعرض فرق النزع لمخاطر كبيرة.
الخسائر البشرية في صفوف خبراء نزع الألغام: إذ فقد العشرات من العاملين في هذا المجال حياتهم أثناء تأدية مهامهم الإنسانية.
نقص التمويل وضعف الاستدامة: حيث أن عمليات نزع الألغام تتطلب موارد مالية وتقنية مستمرة، ما يستدعي تعزيز التعاون بين الجهات الدولية لضمان استدامة هذه الجهود.
توصيات الندوة
خرجت الندوة بمجموعة من التوصيات المهمة، أبرزها
تعزيز الجهود الدولية لدعم عمليات نزع الألغام، من خلال توفير تمويل مستدام وإمداد الفرق بالمعدات الحديثة.
محاسبة مليشيات الحوثي دوليًا على جرائمها في زراعة الألغام، باعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
إطلاق حملات توعية واسعة تستهدف المجتمعات المحلية، وخاصة الأطفال، لتعريفهم بمخاطر الألغام وكيفية تجنبها.
تعزيز التعاون بين المنظمات الحقوقية والحكومية لضمان تنفيذ استراتيجيات فعالة ومستدامة لإزالة الألغام وحماية المدنيين.
ختام الندوة
اختُتمت الندوة بتأكيد المشاركين على أهمية تكثيف الجهود الدولية والمحلية لمكافحة خطر الألغام في اليمن، وضرورة استمرار التوعية والعمل على كشف وتوثيق هذه الجرائم، لضمان تحقيق العدالة للضحايا والحد من استمرار سقوط الأبرياء.
يُذكر أن هذه الندوة تأتي ضمن سلسلة فعاليات تنظمها المنظمات الحقوقية لتسليط الضوء على المخاطر المستمرة التي تشكلها الألغام الحوثية، والدعوة إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لإنهاء هذه الجريمة المستمرة.