
محمد الحربي
رغم أن مسار التسوية السياسية في اليمن يركز بصورة رئيسية على وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية، وتقاسم السلطة، إلا أن أحد أكثر الملفات تأثيراً على استدامة السلام لا يزال خارج أولويات النقاش، وهو جبر الضرر وإنصاف الضحايا. فمع اتساع رقعة الانتهاكات وتعدد أطرافها، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية إنهاء الحرب، بل أصبح يتعلق أيضاً بكيفية معالجة آثارها الاجتماعية والسياسية، ومنع تحولها إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.
تشير الأدبيات الدولية الخاصة بالعدالة الانتقالية إلى أن جبر الضرر لا يمثل إجراءً تعويضياً فحسب، بل يشكل أحد الأعمدة الأساسية لأي عملية انتقال سياسي، إلى جانب كشف الحقيقة، والمساءلة، والإصلاح المؤسسي، وضمانات عدم التكرار. وتذهب دراسة حديثة صادرة عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن أي عملية سلام في اليمن لن تكون قابلة للاستمرار إذا تجاهلت مطالب الضحايا أو تعاملت معها باعتبارها قضية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التسوية السياسية.
وتكتسب هذه القضية خصوصية في اليمن نتيجة تراكم الانتهاكات عبر مراحل تاريخية مختلفة، من حرب 1994، مروراً بحروب صعدة، والاحتجاجات التي أعقبت عام 2011، وصولاً إلى الحرب المستمرة منذ عام 2014. وقد أدى هذا التراكم إلى توسيع دائرة الضحايا بصورة غير مسبوقة، لتشمل القتلى، والمصابين، والمختفين قسراً، والنازحين، وضحايا الألغام، والمفصولين من وظائفهم، والمتضررين من مصادرة الممتلكات، فضلاً عن النساء والأطفال الذين تحملوا أعباء الحرب بصورة مضاعفة.
في هذا السياق، يرى الناشط الحقوقي عيسى القدسي أن جبر الضرر يمثل الضمانة الأهم لاستدامة العدالة الانتقالية، لأن أي عملية مصالحة لا تسبقها إجراءات حقيقية لإنصاف الضحايا ستظل معرضة للانهيار. ويؤكد أن الاعتراف الرسمي بالانتهاكات، ورد الحقوق، والتعويض، وإعادة التأهيل، يجب أن تسير بصورة متوازية، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء، والأطفال، والمهمشون، وضحايا الانتهاكات الجسيمة. ويضيف أن تجاهل هذه الحقوق لا ينهي الصراع، بل يؤسس لدورات جديدة من العنف وعدم الثقة.
ولا يختلف الباحث في العدالة الانتقالية محمد الوتيري كثيراً مع هذا الطرح، لكنه يلفت الانتباه إلى أن خصوصية الحالة اليمنية تكمن في اتساع قاعدة الضحايا، وهو ما يجعل من الصعب الاعتماد على التعويضات الفردية وحدها. ويرى أن المرحلة المقبلة تتطلب المزج بين برامج جبر الضرر الفردية والجماعية، بحيث تشمل إعادة الحقوق لأصحابها، وتعويض المتضررين بصورة مباشرة، إلى جانب تنفيذ برامج جماعية تستهدف المجتمعات الأكثر تضرراً من النزاع. وفي الوقت نفسه، يحذر من التعامل مع الخدمات الأساسية باعتبارها شكلاً من أشكال التعويض، لأن توفير التعليم والصحة والمياه والكهرباء يمثل التزاماً أصيلاً على الدولة تجاه جميع المواطنين، وليس امتيازاً يمنح لفئة دون أخرى.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما توصلت إليه دراسات المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ)، التي تؤكد أن برامج جبر الضرر الأكثر فاعلية هي تلك التي تجمع بين التعويض، ورد الحقوق، وإعادة التأهيل، والاعتراف الرسمي، مع إشراك الضحايا في تصميم تلك البرامج وتنفيذها، بما يعزز ثقتهم في العملية الانتقالية.
إلا أن تحويل هذه المبادئ إلى سياسات عامة يواجه تحديات معقدة. فالانقسام السياسي، وتعدد سلطات الأمر الواقع، وضعف المؤسسات القضائية، والانهيار الاقتصادي، جميعها عوامل تجعل ملف جبر الضرر عرضة للتأجيل أو التسييس. كما أن اتهام مختلف أطراف النزاع بارتكاب انتهاكات يخلق حالة من التردد في فتح هذا الملف، خشية أن يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية بدلاً من كونه مدخلاً لتحقيق العدالة.
ورغم هذه التحديات، فإن تأجيل جبر الضرر لا يبدو خياراً عملياً. فوفقاً للمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن الحق في الانتصاف والجبر، لا يشترط البدء ببرامج التعويض توافر موارد مالية كبيرة، بل يمكن أن تبدأ بالاعتراف الرسمي بالضحايا، وتوثيق الانتهاكات، وإنشاء سجل وطني للمتضررين، ووضع إطار قانوني واضح يحدد الحقوق وآليات الإنصاف، على أن تُنفذ برامج التعويض بصورة تدريجية وفق الإمكانات المتاحة.
وتشير دراسة صادرة عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية حول إشراك الضحايا في صناعة السلام إلى أن بناء الثقة بين المواطنين والدولة يبدأ من الاعتراف بالضرر الواقع عليهم، وإشراكهم في رسم السياسات المتعلقة بحقوقهم، بدلاً من الاكتفاء باتفاقات سياسية تعقد بين النخب. وتخلص الدراسة إلى أن العدالة الانتقالية في اليمن لن تحقق أهدافها إذا بقي الضحايا خارج العملية السياسية.
في النهاية، لا يبدو أن التحدي الحقيقي أمام جبر الضرر في اليمن يتمثل في نقص الموارد، بقدر ما يكمن في غياب الإرادة السياسية لوضع حقوق الضحايا في صلب أي تسوية مستقبلية. فالتجارب المقارنة تظهر أن المجتمعات التي نجحت في تجاوز الحروب لم تفعل ذلك عبر إنهاء القتال فقط، بل عبر الاعتراف بالمظالم، وإعادة الحقوق، وترميم العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي الحالة اليمنية، قد يكون جبر الضرر هو الاختبار الحقيقي لأي عملية عدالة انتقالية، لأنه سيحدد ما إذا كان السلام القادم سيؤسس لاستقرار طويل الأمد، أم أنه سيبقى مجرد هدنة مؤقتة تخفي تحتها أسباب نزاع لم تُعالج بعد.


